عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

5

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أنه في محلّ نصب ؛ لتعلّقه بقتال ، لكونه مصدرا . وقال أبو البقاء « 1 » : كما يتعلّق ب « قتال » ولا حاجة إلى هذا التشبيه ، فإنّ المصدر عامل بالحمل على الفعل . فصل [ في الضمير في « يسألونك » ] والضمير في « يسألونك » قيل للمؤمنين لما يأتي في سبب النزول ، ولأن أكثر الحاضرين عند رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كانوا مسلمين ، فما قبل هذه الآية أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [ البقرة : 214 ] وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ [ البقرة : 215 ] حكاية عن المؤمنين ، وما بعدها كذلك وهو قوله : و يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ البقرة : 219 ] ، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى [ البقرة : 220 ] فوجب أن تكون هذه كذلك . وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما سألوه إلّا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن « 2 » ، ومنها « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ » . وقيل : الضمير للكفار ؛ سألوا النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - عن القتال في الشهر الحرام ، فأخبرهم أنه حرام ؛ فتركوا ، واستحلوا قتالهم فيه فأنزل اللّه : « عن الشّهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير » ولكن الصدّ عن سبيل اللّه ، وعن المسجد الحرام ، والكفر به ، أكبر من هذا القتال . « وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ » فبيّن تعالى أنّ غرضهم من هذا السؤال ، أن يقاتلوا المسلمين ، ثم أنزل اللّه تعالى : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] فصرّح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز والألف واللام في « الشّهر الحرام » قيل : للعهد ، وهو رجب ، وقيل : للجنس ، فيعمّ جميع الأشهر الحرم . قوله : « قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ » جملة من مبتدأ وخبر ، محلّها النصب بقل والمعنى : القتال في الشهر الحرام وجاز الابتداء بالنكرة لأحد وجهين : إمّا الوصف ، إذا جعلنا قوله : « فيه » صفة له . وإمّا التخصيص بالعمل ، إذا جعلناه متعلقا بقتال ، كما تقدّم في نظيره . فإن قيل : قد تقدّم لفظ نكرة ، وأعيدت من غير دخول ألف ولام عليها ، وكان حقّها ذلك ، كقوله تعالى : كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [ المزمل : 15 - 16 ]

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 92 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي ( 6 / 27 ) .